يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تزال أسيرة عقلية الوصاية على شعوب المنطقة، إذ طُرح مؤخراً مقترح بإنشاء إدارة انتقالية في غزة برئاسة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
هذا الاسم تحديداً لم يأتِ من فراغ؛ فهو السياسي الذي التصق اسمه بحروب الشرق الأوسط، وأصبح رمزاً لتصدير الأزمات لا لحلها.
إن استدعاء بلير اليوم لإدارة غزة يعيد إلى الأذهان حقبة الانتداب البريطاني على فلسطين، حين دخلت بريطانيا تحت شعار «إدارة مؤقتة» لتتحول سريعاً إلى سلطة استعمارية زرعت بذور المأساة الفلسطينية عبر وعد بلفور وتهيئة الأرض لإقامة الكيان الصهيوني.
واليوم، يُراد إعادة التجربة بوجه جديد، ولكن الجوهر واحد، فرض وصاية أجنبية على شعبٍ دفع أثماناً باهظة في سبيل حريته.
إن فكرة «إدارة انتقالية دولية» في غزة ليست سوى محاولة لشرعنة الاحتلال، وإيجاد صيغة بديلة لإبقاء يد إسرائيل والغرب على القرار الفلسطيني.
بلير لم يكن يوماً وسيطاً محايداً، بل شريكاً أصيلاً في هندسة الخراب الذي أصاب العراق والمنطقة بعد 2003، ولم يسجل له أي نجاح في ملف التسوية الفلسطينية حين شغل منصب مبعوث اللجنة الرباعية، فكيف يتحول الفاشل بالأمس إلى منقذ اليوم؟
المفارقة أن الغرب يتحدث عن الديمقراطية والحق في تقرير المصير، بينما يقترح حلاً يقوم على استبدال الاحتلال العسكري باحتلال إداري ناعم، يعيد صياغة غزة وفق مقاسات تل أبيب وواشنطن.
إنها لعبة تدوير الأدوار، الانتداب البريطاني القديم يعود بعباءة أمريكية جديدة، وبأدوات أكثر نعومة ولكن بأهداف أكثر خطورة.
وما يُسوّق له اليوم تحت عنوان «إعادة الإعمار» و«الاستقرار» هو ذات الشعارات التي رفعتها بريطانيا حين دخلت فلسطين قبل قرن، قبل أن تزرع الكيان الصهيوني وتترك جرحاً لم يلتئم.
الفارق الوحيد أن بلير جاء هذه المرة محمّلاً بخبرة الخراب من بغداد إلى رام الله، ليؤدي دور الوصي على غزة.
إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى «بلير جديد» أو «انتداب معدل»، بل يحتاج إلى رفع الحصار، إنهاء الاحتلال، وضمان حقه الطبيعي في تقرير مصيره، كل ما عدا ذلك ليس سوى محاولة لسرقة الانتصار الفلسطيني وصناعة واقع سياسي يخدم المشروع الإسرائيلي.
باختصار.. المقترح الأمريكي باستدعاء توني بلير ليس إلا إنذاراً بأن شبح الانتداب لم يختف، بل يتجدد بأسماء جديدة ووجوه مستهلكة، وعلى الفلسطينيين والعرب أن يدركوا أن أخطر ما يواجه قضيتهم اليوم ليس فقط العدوان الإسرائيلي، بل أيضاً مشاريع «الانتداب العصري» التي تلبس ثوب الإدارة المؤقتة وتخفي وراءها مشروع التصفية.
على الشعوب العربية أن تدرك أن هذا المقترح ليس شأناً فلسطينياً فحسب، بل مؤامرة على وعي المنطقة كلها، فحين يُفرض الانتداب على غزة اليوم، لن يسلم أحد غداً من «الانتداب العصري» الذي يُدار بالريموت من واشنطن ولندن.
إن مقترح بلير ليس سوى مخطط شيطاني لإعادة إنتاج الاستعمار، والرد الوحيد عليه أن يعلو صوت الشعوب.. لا وصاية على فلسطين.. ولا عودة للانتداب مهما غيّروا الأسماء والأقنعة.











