إلى متى سيبقى أصحاب المعاشات أسرى وعود لا تُنفذ، وقرارات لا تُطبّق، واهتمام لا يتجاوز التصريحات الإعلامية؟! ويواجهون الموت البطيء بمعاش لا يُطعم ولا يُداوي؟!
إلى متى هذا التجاهل المهين لملايين الرجال والنساء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، ثم وجدوا أنفسهم في آخر الطريق ضحايا الإهمال الرسمي واللامبالاة؟!
لقد تحوّل ملف المعاشات في مصر إلى مرآة فاضحة لعجز الحكومة وصمت البرلمان، وكأن حياة الملايين من الذين خدموا هذا الوطن لعقود طويلة ليست أولوية، بل هامش على دفتر الإنفاق العام.
كيف تُدار دولة يُطالب فيها المواطن المتقاعد – الذي أفنى عمره في العمل والتعليم والإنتاج – بمعاش لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة آلاف جنيه، في وقت لا يكفي فيه هذا المبلغ لدفع فواتير الكهرباء والمياه والاتصالات، ناهيك عن العلاج أو إيجار السكن أو دواء الضغط والسكر أو مصروفات المدارس؟!
هل يُعقل أن يعيش من بنوا الدولة، ورفعوا أعمدتها، وأداروا مؤسساتها، في ذل الفواتير والديون؟!
إن الحكومة التي تتحدث ليل نهار عن «العدالة الاجتماعية» و«الحماية للفئات الأكثر احتياجًا»، فشلت حتى الآن في حماية الفئة الأجدر بالحماية «أصحاب المعاشات».
إن البرلمان الذي يُفترض أنه ممثل الشعب، صمت صمتًا مريبًا، واكتفى بالتصفيق لموازنات لا تعكس أي احترام للكرامة الإنسانية، فأين التشريعات؟ أين المبادرات؟ أين الغيرة الوطنية على من خدموا الدولة بضمير وإخلاص؟
المطالبة برفع الحد الأدنى للمعاش إلى سبعة آلاف جنيه شهريًا ليست ترفًا اقتصاديًا، بل حق دستوري وإنساني وأخلاقي.. الدستور المصري نص صراحة على أن الدولة تضمن حياة كريمة لكل مواطن بعد انتهاء خدمته، لكن الواقع يقول إن الملايين يعيشون اليوم تحت خط الكرامة، وليس فقط تحت خط الفقر.
إن ما يحدث اليوم هو قهر ممنهج للطبقة التي بنت الدولة ثم جرى إهمالها، قهر باسم القوانين الجامدة، وبحجة «الموارد المحدودة»، بينما تُنفق المليارات في مجالات أخرى أقل أولوية.
هل الموارد شحيحة فقط حين يتعلق الأمر بأصحاب المعاشات؟ أم أن العدالة تُطبَّق بانتقائية على حساب من لا يملكون الصوت ولا المنبر؟
لقد آن الأوان لإصلاح جذري في منظومة المعاشات، لا مجرد زيادة شكلية بنسبة 10% تُعلنها الحكومة كل عام ثم تزول آثارها في أول أسبوع من الشهر.
المطلوب اليوم قرار سياسي شجاع يضع كرامة المواطن أولًا، ويعترف بأن من خدم الدولة لا يجوز أن يُهان بعد خروجه منها.
إن استمرار الوضع الحالي هو عار سياسي واجتماعي لا يليق بدولة تدّعي احترام الإنسان، فأصحاب المعاشات لا يطلبون صدقة ولا منحة، بل يطلبون حقهم في حياة تليق بتاريخهم، وتكافئ تعبهم، وتعيد إليهم ما سُلب منهم من احترام وطمأنينة.
الحكومة مطالَبة بالتحرك الفوري، والبرلمان مطالَب بأن يقوم بدوره الرقابي لا التبريري، فلا كرامة لدولة تهين من خدموها، ولا مستقبل لوطنٍ ينسى كبارَه.
باختصار.. أصحاب المعاشات لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بأبسط حقوق الإنسان، أن يعيش بكرامة بعد عمرٍ من العطاء.
رفع الحد الأدنى للمعاش إلى سبعة آلاف جنيه شهريًا ليس مطلبًا فئويًا، بل صرخة عدالة اجتماعية تأخرت كثيرًا.
يا حكومة مصر، لا تتحدثوا عن الإصلاح الاقتصادي بينما كبار السن عاجزون عن شراء دوائهم، ولا تتحدثوا عن التنمية بينما الذين صنعوا التنمية يئنّون تحت خط الفقر، ولا تتحدثوا عن العدالة الاجتماعية بينما المعاشات إهانة دستورية معلنة.
يا نواب البرلمان، أنتم لستم شهودًا محايدين على الألم، بل أنتم شركاء بالصمت.. الصمت على الجوع جريمة، والتغاضي عن معاناة أصحاب المعاشات خيانة لليمين الدستوري الذي أقسمتم عليه.
لقد آن الأوان لقرار سياسي شجاع يُعيد الحق لأصحابه، قرار يقول بوضوح إن هذا الوطن لا ينسى من خدموه، قرار يرفع الحد الأدنى للمعاش إلى سبعة آلاف جنيه فورًا — دون لجانٍ ولا دراساتٍ ولا مماطلة.
هذه ليست مطالبة، بل صرخة غضب مكتوم في صدور الناس، فمن عاش عمره في خدمة الوطن يستحق أن يحيا آخر عمره بكرامة، لا أن يُكافأ بالتجاهل والفتات.
التاريخ لا يرحم، والكرامة لا تُقاس بالأرقام، وكرامة الإنسان هي ميزان عدالة الدولة.














