الروتين في مصر تجاوز كونه مجرد نظام إداري روتيني وأصبح جزءًا أصيلًا من نمط الحياة اليومية، وكأنه شريان يربط بين المواطن والمكاتب الإدارية.
يتحول الروتين تدريجيًا إلى إرث متوارث بين الأجيال، يتعامل معه الموظفون والمراجعون وكأنه حقيقة ثابتة لا تقبل التغيير.
منذ أن تعرف المصريون على فكرة «الختم»، أصبح واضحًا أن الإجراءات لن تكون مسألة بسيطة، بل ستجدها مضمنة داخل شبكة معقدة من الأوراق والأدوار المتعددة.
تبدأ رحلة المواطن بهدف بسيط، لكنها سرعان ما تتحول إلى ماراثون من التنقل بين مكاتب متعددة وانتظار طويل لا نهاية واضحة له.
زيارة المصالح الحكومية طابع شبه مغامراتي؛ المواطن لا يحتاج دليلًا بقدر ما يحتاج إلى صبر وإيمان بأن إنجاز معاملته مجرد مسألة وقت، مهما طالت مدته.
الموظفون، من جهتهم، يجلسون في مواقعهم وكأنهم حراس الزمن، يمارسون دورهم في إطار قواعد غير مكتوبة تُفرض بمزيج من الثقة والتوجس، ويظل شعار «الرجاء الانتظار» حاضرًا كجزء من الروتين.
التأخير، تحول إلى بيئة خصبة لنوع آخر من التعاملات التي تُفهم ضمنيًا دون الحاجة إلى توضيح مكتوب؛ إجراءات «التسهيل» باتت روتينًا غير رسمي ضمن المنظومة القائمة.. الطرفان يدركان قواعد اللعبة ويشاركان فيها على نحو متناسب.
ورغم كل الحديث عن الرقمنة والتحول الإلكتروني، تبقى الفجوة واضحة، فالواجهة الرقمية لا تزال غطاءً هشًا لمنظومة تقليدية قائمة على الورق.
الرسائل الآلية مثل «الخدمة غير متاحة حاليًا» أصبحت جزءًا معتادًا من التجربة، وكأن المواطن يعيش مفارقة تجمع بين الماضي والحاضر وهو يسلم صورة شاشة بدل النسخة الورقية كحل وسط للمتطلبات الإدارية.
هذا الواقع علم المصريين الصبر كمهارة أساسية تتجاوز أي تعليم أكاديمي أو كورس تنمية بشرية.. الانتظار الطويل في الطوابير أصبح تدريبًا حيًا على التحمل، وانتهاء المعاملة بمستند رسمي يعتبر إنجازًا بطوليًا يفتخر به المواطن كما لو كان وسام شرف.
لسوء الحظ، الروتين في مصر يبدو ككيان مستدام، تزيده محاولات الإصلاح تعقيدًا بدل تقليصه، القرارات الإدارية التي تهدف لمعالجة المشكلة غالبًا ما تقع ضحية نفس المنظومة التي يفترض تغييرها، مما يبقي الأمور كما هي أو يضيف إليها مزيدًا من الطبقات البيروقراطية.
وسط هذا المشهد، يستمر الزمن داخل دولة الأوراق؛ المواطن ينتظر، الموظف يوقع، الأوراق تتنقل بين المكاتب، ومع استمرار الحال، قد يجد المؤرخون مستقبلًا في الروتين المصري نموذجًا فريدًا لكائن مؤسسي يتحدى الزمن، باقٍ وصامد على مر الأجيال دون أي خطر يذكر لانقراضه!













