أصبح تدخل القيادة السياسية في المراحل الدقيقة من مسار السياسات العامة بمثابة آلية تصحيح راسخة تؤدي دوراً حيوياً في صون الأمن الاجتماعي، وحماية المواطنين من تبعات بعض الإجراءات التي قد تتخذ بمعزل عن تقدير كاف لظروف الشارع المصري.
وقد أثبت الواقع، أن ما يُعرف بـ «الفيتو الرئاسي» يشكل أداة تدخل إيجابي تعيد التوازن بين مقتضيات الإصلاح وضرورات حماية المواطن.
لقد تجاوز القرار التنفيذي ــ في لحظات التحول الكبرى ــ حدود دوره الإداري التقليدي، ليصبح إشارة ثقة تؤكد حضور الدولة ووعيها بحجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمواطن.
ومن هذا المنطلق برز الفيتو الرئاسي بوصفه وسيلة لضبط المسار، وإعادة تقييم القرارات التي قد تفرض أعباء غير مبررة على شرائح واسعة من المجتمع.
تشهد مصر، كغيرها من دول العالم، متغيرات اقتصادية ضاغطة أفرزت ارتفاعا في تكاليف المعيشة وتوسعا في الاحتياجات اليومية، الأمر الذي جعل المواطن في حالة بحث دائم عن ضمانات تحميه من موجات الغلاء المتسارعة.
وفي ظل هذه الظروف، يأتي الفيتو الرئاسي ليمثل حاجز حماية يمنع تمرير الإجراءات غير المدروسة أو تلك التي لا تراعي البعد الاجتماعي.
وتزداد الحاجة إلى هذا التدخل كلما تعلقت القرارات بملفات تمس البنية الأساسية لحياة المصريين، وعلى رأسها التعليم والصحة والسكن والسياسات الاقتصادية.
في القطاع التعليمي، ما زالت الأُسر تواجه أعباء متزايدة مرتبطة بالدروس الخصوصية وتفاوت جودة الخدمات، فيما يشهد القطاع الصحي ضغطاً متنامياً على الخدمات الحكومية الأساسية.
أما ملف السكن، وبرغم ما تحقق من توسع عمراني وإنشاء مدن جديدة، فإنه لا يزال يشكل تحدياً للشريحة الأكبر من المواطنين نتيجة ارتفاع الأسعار وعدم توافقها مع مستويات الدخل.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تُفاقم الزيادات المتتالية في أسعار السلع والخدمات من معاناة المواطنين، ما يجعل أي قرار جديد يحتاج إلى دراسة دقيقة لضمان عدم تحميلهم أعباء إضافية.. الأمر يندرج على العديد من الملفات التي تمس حياة المواطنين.
يبرز الفيتو الرئاسي كمدخل لإعادة ضبط السياسات العامة بما يضمن استمرار مسار الإصلاح دون الإضرار بالقدرة المعيشية للمواطن، فهو لا يمثل صداماً بين مؤسسات الدولة، بل يعكس حكمة الإدارة وحرص القيادة على تحقيق معادلة التوازن بين التنمية وحماية الفئات الأكثر تأثراً.
يعول المواطن المصري على هذا النهج لأنه يجد فيه ترجمة عملية لالتزام الدولة بمتابعة أوضاعه، فالثقة لا تُبنى بالتصريحات، بل بالقرارات التي تُراجع أو تُعدّل حين يتضح أنها تتعارض مع مصالح الناس أو تزيد من حدة الضغوط الواقعة عليهم، ومن ثم، يصبح الفيتو الرئاسي ضمانة للاستقرار الاجتماعي ودليلاً على أن صوت الشارع لا يغيب عن دوائر صنع القرار.
يؤكد استمرار هذا المسار أن الدولة المصرية ماضية في ترسيخ نهج قائم على حماية المواطن، والإنصات لاحتياجاته، وإعادة النظر في الإجراءات التي قد تمس حياته اليومية بصورة مباشرة.
الفيتو الرئاسي ليس مجرد صلاحية قانونية، بل هو تعبير عن انحياز الدولة لمواطنيها، وعن إرادة سياسية تضع العدالة الاجتماعية في مقدمة أولوياتها.
إن تبني هذه الرؤية يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويكرس قناعة راسخة بأن بناء الوطن يبدأ من صون كرامة أبنائه وتخفيف ما يواجهونه من أعباء، وأن العدالة تظل البوصلة التي يجب أن توجه كل قرار وسياسة.











