أوحى إليّ بخاطرة هذا اليوم خطيب الجمعة وأنا أستمع إليه حول الإسراء والمعراج، تلك الرحلة التي جاءت تسليةً لقلب النبي ﷺ بعد أعوام من الألم والخذلان، وبعد أن ضاقت به الأرض بما رحبت.
استعرض الخطيب محطات السيرة، وما لقيه الرسول ﷺ منذ مولده، حتى بلغ ذروة التكريم الإلهي بزيارة السماء له في رحلة الإسراء والمعراج، كان حديثًا جميلًا، لكنه مرّ سريعًا على كلمة نبوية عظيمة، لو توقفنا عندها طويلًا لتغيرت بها موازين كثيرة في حياتنا.
قال رسول الله ﷺ في إحدى خطبه، «إن عبدًا خيَّره الله بين الدنيا وما عند الله، فاختار ما عند الله»، لم يسمِّ النبي ﷺ نفسه، لكن أبا بكر رضي الله عنه فهم الإشارة، فبكى، ولم يكن بكاؤه عاطفة طارئة، بل قراءة واعية للحظة الوداع قبل أن تقع.
ولذلك كان أبو بكر هو الصديق، لا لأنه صدّق فحسب، بل لأنه فهم قبل غيره، وسبق غيره إلى المعنى.
هذا الحديث لا يحكي عن لحظة تاريخية فحسب، بل يضع أمامنا ميزانًا أخلاقيًا يصلح لكل عصر، وخصوصًا لعصرنا هذا؛ عصر التخيير القاسي والمساومات اليومية. فنحن اليوم نُخيَّر كثيرًا، لا بين الجنة والنار، بل بين الحق والمصلحة، بين الصدق والسلامة، بين كلمة تُقال وثمنٍ يُدفع، وبين صمتٍ مريح وضميرٍ متعب.
في حياتنا المعاصرة، لا يأتي التخيير صريحًا، بل متخفّيًا، وظيفة مقابل تنازل، منصب مقابل سكوت، شهرة مقابل تحريف، أمان مقابل خوف دائم من فقدان الذات، هنا يتجلى السؤال الجوهري: ماذا نختار؟ وما الذي نراه أثمن حقًا؟
في زمن تتراجع فيه القيم أمام سطوة المادة، يصبح حديث النبي ﷺ معيارًا فاضحًا لا يهادن، فاختيار ما عند الله لا يعني الهروب من الدنيا، ولا اعتزال الواقع، بل يعني ألا نبيع أرواحنا بثمنٍ بخس، وألا نُسخِّر عقولنا لتبرير الخطأ، وألا نُقايض الحق بالراحة المؤقتة، إنه اختيار الوعي، لا اختيار الفقر، واختيار الكرامة، لا اختيار العزلة.
وأبو بكر لم يكن ناسكًا منعزلًا، بل كان رجل دولة، وصاحب مسؤولية، وتاجرًا، وصديقًا، لكنه حين جاء التخيير، لم يتردد، صدّق حين كذّب الناس، وصاحب حين تخلّى غيره، وثبت حين ارتبك الجميع، ولذلك بقي اسمه شاهدًا على أن القيم لا تموت، وأن من يختار ما عند الله، لا يخسر في ميزان التاريخ.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة هذا الميزان؛ ميزان الاختيار، أن نسأل أنفسنا قبل كل موقف: هل هذا يقربني من الحق أم يُبعدني عنه؟ هل هذا يُرضي ضميري قبل أن يُرضي الناس؟ فالدنيا زائلة، مهما طالت، وما عند الله خير وأبقى.
اللهم ارزقنا بصيرة في الاختيار، وصدقًا في النية، وثباتًا على الحق، ورزقًا حلالًا طيبًا مباركًا، واجعلنا ممن يختارون ما عندك، حين تتزاحم الخيارات، ويعلو ضجيج الدنيا.












