لسنا فقراء، ولسنا معوزين، لكننا نعيش زمنًا اختلت فيه البوصلة، وتآكلت فيه المسؤولية والرقابة حتى وصلنا إلى هذا الحال الذي نراه اليوم.
قرارات تُتخذ في غير محلها، وموازنات تُدار بعشوائية، وإنفاق يُوجَّه إلى ما لا يُغني ولا يُثمر، بينما تُهمل أولويات لا تحتمل التأجيل.
في السنوات الأخيرة، أنشأنا متاحف فخمة ومشروعات ضخمة بإنفاق هائل، بينما أُغلقت أو أُهملت منشآت قائمة كانت تعمل بكفاءة وتستقبل الزوار بعبقرية تصميمها، أيُّ منطق يجعلنا نقترض، لا من أجل الزراعة أو الصناعة أو التعليم أو الصحة، بل من أجل متحف جديد؟ أو «مونوريل» يتعطل بعد أيام قليلة من تشغيله؟!
كيف تُرفع أسعار الغاز بهذا الشكل المبالغ فيه؟ وكيف تصل فواتير الكهرباء إلى مستوى يطفئ البيوت ويغرقها في الظلام؟ وكيف تبلغ أسعار المحروقات حدًّا تتحول فيه الدولة من داعمٍ للمواطن إلى مستفيدٍ من معاناته؟ ثم يُقال للناس بعد ذلك «شدوا الأحزمة… البلاد فقيرة»!
نحن لسنا فقراء، لكننا نعاني من سوء إدارة، وفساد متجذر، وقرارات تُبنى على الوهم لا على الواقع.
نحن شعب يزيد على 110 ملايين إنسان، يريد حياة كريمة طعامًا، وشرابًا، وتعليمًا محترمًا، ورعاية صحية حقيقية، وفرص عمل تحفظ الكرامة.
أما المتاحف الفخمة، والقطارات الفارهة، والمشروعات العملاقة، فمكانها الطبيعي عندما يتحقق الفائض، لا حين نغرق في الديون ونستدين من أجل سداد فوائد الديون السابقة.
الزراعة والصناعة هما أساس الحياة، والنهضة الحقيقية لا تُبنى بالرخام والزجاج، بل بسواعد العمال، والمزارعين، والمعلمين، والأطباء.
فماذا قدمت وزارتا الزراعة والصناعة للوطن خلال العشرين عامًا الأخيرة؟ وإن شئت فاسأل السؤال الأوسع، ماذا قدمت الحكومات المتعاقبة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، سوى مزيد من الأعباء التي أنهكت المواطن، وجعلت الحياة الكريمة حلمًا بعيد المنال؟
أصبح المواطن يلهث خلف وظيفة، أو دخل يكفيه ذل السؤال، أو فرصة ينجو بها من الوقوع في بؤر الفساد والاحتياج.
إن بناء المتحف لا يغني عن بناء مستشفى، ولا يوازي مصنعًا ينتج، ولا مدرسة تُنير العقول، ولا مشروعًا زراعيًا يطعم الناس.
رفقًا بنا، يرحمكم الله.
فأنتم لا تحكمون شعبًا من الخيال، بل بشرًا يعيشون على هذه الأرض، يئنّون من الغلاء، ويتطلعون إلى دولة تعقل، وتُرشد، وتُصلح، قبل أن تشتكي الفقر وهي تُهدر الثروة.
أليس فيكم رجل رشيد؟














