في لحظة صدق مع النفس، توقفتُ طويلًا أمام هذه الآية: «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»، لم أقرأها هذه المرة كدعاء يُتلى في خشوع عابر، بل كصرخة وعي… بل كـ«اتهام مبطّن» لأنفسنا قبل أن تكون استغاثة من ظلم الآخرين.
لأن السؤال الحقيقي الذي تطرحه الآية ليس لماذا يظلمنا الآخرون؟
بل: كيف وصلنا إلى حالة تجعل الظالم يتجرأ علينا؟
فالظالم بطبيعته لا يتوقف عند حد، لكن التاريخ يُعلّمنا أنه لا يتمدد في الفراغ… بل يتمدد حيث يجد ضعفًا يغريه؛ تفرقًا يطمئنه، أو عجزًا يبرر له بطشه، وهنا يتحول الدعاء من طلب حماية، إلى اعتراف ضمني بخطر أن نكون نحن السبب… حين نصبح أمة بلا منعة، بلا مشروع، بلا إرادة حقيقية.
الآية لا تقول: «أنقذنا من الظالمين» فقط، بل تقول: «لا تجعلنا فتنة لهم»، أي لا تجعلنا في حالةٍ تُفسد ميزان الحق، فيظن الظالم أنه على صواب لأنه انتصر!
وهنا علينا أن ندرك أن المشكلة ليست في الدعاء… بل في الانفصال بين الدعاء والواقع.
نرفع أيدينا إلى السماء، بينما عقولنا غائبة عن العلم؛ مؤسساتنا مثقلة بالعجز، ومجتمعاتنا ممزقة بالصراعات الصغيرة، ثم نتساءل: لماذا لا يُستجاب الدعاء؟
الحقيقة الصادمة، الدعاء بلا عمل… نوع من التواكل المُقنّع.
والأخطر أنه يمنحنا شعورًا زائفًا بالبراءة، وكأن المسؤولية دائمًا «هناك»… عند الآخرين.
فالآية التي تُحرجنا هذه الآية تحديدًا تُحرجنا لأنها تكشف خلل المعادلة… نريد نصرًا بلا إعداد، عزةً بلا وحدة، وهيبةً بلا عدل داخلي، كيف لا نكون فتنة للظالمين، ونحن أحيانًا نظلم بعضنا؟
كيف نطلب من الله أن يمنع عنا بطش الخارج، ونحن لم نمنع الظلم داخل بيوتنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا؟ إنها معادلة واضحة لا تقبل الالتفاف:
من لم يُقِم العدل في داخله… لن يُحمى من ظلم خارجه.
إذن القوة ليست رفاهية، والقرآن لم يكتفِ بالدعاء، بل قرنه بأمرٍ حاسم، الإعداد … بـ«ما استطعتم من قوة»، والقوة هنا ليست فقط سلاحًا، بل علمٌ ينهض بالأمة؛ اقتصادٌ يحمي القرار؛ وعيٌ يميز بين العدو والصديق، وإرادةٌ لا تُشترى.
القوة ليست خيارًا تجميليًا… بل شرط بقاء.
ومن يفرّط فيها، لا يلومنّ إلا نفسه إن أصبح «فتنة» لغيره.
وما يحدث الآن… ليس مفاجأة، فما تعيشه الأمة اليوم، بكل ما فيه من انكسارات واضطرابات، ليس حادثًا طارئًا… بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإهمال، التنازع، والانشغال بالقشور على حساب الجوهر.
لقد دفعنا ثمن تأجيل الأسئلة الصعبة… حتى صارت الإجابات تُفرض علينا من الخارج.
الرسالة التي لا نحب سماعها
الحقيقة التي نهرب منها دائمًا …
لن يتغير واقعنا بدعاءٍ لا يُترجم إلى فعل.
الدعاء الصادق لا يُعفي من المسؤولية… بل يُضاعفها.
ومن يطلب من الله ألا يكون فتنة للظالمين، عليه أولًا أن يسأل نفسه … ماذا فعلتُ حتى لا أكون كذلك؟
وختاما فالدعاء يبدأ من الأرض قبل السماء… «ربنا لا تجعلنا فتنة للظالمين»، ليست جملة تُقال… بل مشروع أمة.
مشروع يبدأ من إصلاح الذات، بناء القوة؛
تحقيق العدل، واستعادة الوعي ثم بعد ذلك فقط…
نرفع أيدينا إلى السماء، ونحن نملك ما نقوله بثقة: «لقد أخذنا بالأسباب… فاكفنا شر الفتنة».
وحتى يحدث ذلك، سيظل السؤال معلقًا فوق رؤوسنا جميعًا: هل نريد حقًا ألا نكون فتنة… أم أننا اعتدنا أن نكون كذلك؟














