في حياة الناس، تمر المناصب كما تمر الفصول، يتغير شاغلوها، وتُنسى أسماؤهم سريعًا، إلا من تركوا أثراً لا يُمحى.. الحقيقة التي لا ينتبه لها كثيرون أن الكرسي لا يمنح قيمة لمن يجلس عليه، بل يكشف فقط عما بداخله، هناك من يجلس فيكبر المنصب به، وهناك من يجلس فيتضاءل كل شيء حوله.
بعض البشر لا يعرفون التوقف، ليس لأن الطريق سهل، بل لأنهم اعتادوا أن يروا في كل نهاية بداية أخرى، حين يصل أحدهم إلى موقع جديد، لا يتعامل معه كغنيمة، بل كمسؤولية ثقيلة تستحق أن يُضاف إليها شيء مختلف.
لا يكرر نفسه، ولا يكتفي بما حققه، بل يبدأ من جديد وكأنه في أول الطريق، هذه الروح تحديداً هي التي تصنع الفارق بين شخص شغل منصباً.. وآخر صنع به تاريخاً.
المبدع الحقيقي لا ينتظر الظروف المناسبة، هو يدرك أن الكمال وهم، وأن الفرص لا تأتي دائماً في صورة مثالية، لذلك يعمل بما هو متاح، ويخلق من العادي شيئاً استثنائياً.. قد تختلف الأدوات، وقد تضيق المساحات، لكن الفكرة تبقى ثابتة أن الإنسان القادر على النجاح، سينجح أينما وُضع، لأن سر نجاحه ليس في المكان، بل في داخله.
ولعل أكثر ما يميز هؤلاء أنهم لا ينشغلون بإثبات أنفسهم بقدر ما ينشغلون بصناعة أثر حقيقي، لا يتحدثون كثيراً عن إنجازاتهم، لأن ما يتركونه خلفهم كفيل بأن يتحدث، هم لا يطاردون الأضواء، بل تأتيهم الأضواء حين يرون نتائج عملهم.. ببساطة، هم يفهمون أن القيمة لا تُقال بل تُرى.
في المقابل، هناك من يربط نجاحه بالموقع، فإذا تغير الموقع تراجع كل شيء، هؤلاء لم يبنوا أنفسهم، بل بنوا صورتهم على الكرسي، لذلك حين يفقدونه، يفقدون معه كل ما ظنوا أنه نجاح، وهنا يظهر الفرق بوضوح بين من يعتمد على المنصب، ومن يعتمد على ذاته.
تبقى الحقيقة بسيطة لكنها حاسمة المناصب لا تصنع النجاح، بل تكشفه، والإنسان الذي تعود أن يُبدع، سيظل كذلك في أي مكان، لأن العطاء بالنسبة له ليس وظيفة، بل طبيعة، قد يتغير العنوان، لكن الجوهر يظل كما هو حاضراً، مؤثراً، لا يعرف التراجع.
الخيار دائماً ليس في أي منصب تصل، بل في أي إنسان تكون، لأن ما يبقى في النهاية ليس الكرسي.. بل ما فعلته وأنت تجلس عليه.













