منذ إقرار الدستور الحالي، ولدت آمال واسعة في أن تتحول مواده إلى واقع ملموس يضمن للمواطن حياة كريمة، وعدالة اجتماعية حقيقية، ومساواة تامة في الفرص والحقوق.
لكن السنوات التي تلت ذلك كشفت عن فجوة واضحة بين ما جاء في النصوص الدستورية من مبادئ سامية، وما يتخذ على أرض الواقع من قرارات وسياسات أثقلت كاهل المواطن البسيط.
الدستور المصري لم يترك مجالا للبس حين نص على أن الدولة مسؤولة عن تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير مقومات الحياة الكريمة، ومع ذلك، يجد المواطن نفسه اليوم أمام موجات متكررة من القرارات الاقتصادية التي تمس تفاصيل حياته اليومية، من أسعار الوقود إلى فواتير الخدمات الأساسية.
هذه القرارات، مهما كانت مبرراتها الاقتصادية، لا يمكن فصلها عن البعد الاجتماعي الذي أكده الدستور، لأن كرامة المواطن ليست بندا تفاوضيا، بل حق أصيل لا يجوز المساس به تحت أي ظرف.
لا شك أن الدولة تواجه ضغوطا اقتصادية متشابكة داخليا وخارجيا، وأن الإصلاح المالي أصبح ضرورة ملحة، لكن معالجة الأزمات لا ينبغي أن تختزل في أرقام الموازنة أو نسب العجز، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان، لا من الورق.
إن تجاهل الأثر الاجتماعي لأي قرار اقتصادي يفقده قيمته الإصلاحية، ويحوله من وسيلة للنهضة إلى عبء يضاعف معاناة الفئات التي يفترض أن تحظى بالحماية.
حين نص الدستور على التزام الدولة بتوفير حياة كريمة لكل مواطن، لم يكن المقصود مجرد تحسين الدخل، بل إقامة منظومة متكاملة تضمن الأمن الاجتماعي، والتعليم الجيد، والرعاية الصحية، وفرص العمل، والقدرة على مواجهة تكاليف المعيشة بكرامة.
ومن ثم، فإن كل قرار يمس هذه الجوانب يجب أن يدرس بعمق، لأن فقدان التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية يهدد جوهر العقد الدستوري بين الدولة والمواطنين.
تاريخ الشعوب يؤكد أن استقرار الدول لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بعدالة السياسات وشفافيتها، فحين يشعر المواطن أن حقوقه الدستورية مصونة، يزداد انتماؤه وثقته في مؤسسات الدولة.
أما إذا تحول النص الدستوري إلى مجرد وثيقة تتلى دون تطبيق، فإن الفجوة بين المواطن والحكومة تتسع، ويضعف الشعور بالانتماء الذي يشكل أساس الأمن الوطني.
إن احترام الدستور لا يقتصر على الاستشهاد بمواده في المناسبات الرسمية، بل يعني الالتزام الفعلي بمضامينه عند وضع السياسات واتخاذ القرارات.
وإذا كانت الدولة تسعى إلى مواصلة طريق الإصلاح الاقتصادي، فإن العدالة الاجتماعية يجب أن تظل بوصلتها الثابتة، حتى لا تتحول المعاناة إلى واقع دائم.
كرامة المواطن ليست ترفا، بل ركيزة لبقاء الدولة واستمرارها، ولا نهضة حقيقية من دون إنسان آمن في وطنه، مطمئن في معيشته، واثق في أن دستوره يحميه لا يُغيب صوته.












